محمد متولي الشعراوي

2828

تفسير الشعراوى

والكدح والجهد والجد والتعب ، والليل محل الراحة والسكون . كأن الحق يوضح : إنكم إن نظرتم في آية الكون لوجدتم أن اللّه قد جعل الضحى للكدح والليل لنسكن فيه ، وفتور الوحي هو سكون ليعاود محمد نشاطه في حركة الوحي الجديدة ، هو الحق - سبحانه - يقسم : « وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » أمجىء الليل بعد النهار ضن من اللّه على الناس بالنهار ؟ لا ، إنما الليل عطاء من اللّه ليسكنوا وليستقبلوا النهار الجديد . وأنزل سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حينما سأل اليهود النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء : ( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) . فيأمره الحق أن يوضح : أنا قد أوحى اللّه إلىّ كما أوحى إلى الرسل السابقين ، فهل أنتم شككتم في وحى اللّه لموسى ؟ أشككتم في وحى اللّه لمن سبق موسى ؟ صحيح أنكم شككتم في مسألة عيسى ، لكن لنضع الأمر الذي تكذبون فيه جانبا ولنأخذ ما أنتم مصدقون به ، فيقول سبحانه : « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ » . إذن فأنت يا محمد لست بدعا في هذه المسألة : « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ » ويمر العلماء على هذه المسألة مرورا سريعا ، لكننا نقف عندها ونقول : قد يوحى هذا القول أن أول وحى كان لنوح . والحقيقة أن الوحي الأول كان لآدم من قبل ، لكن هناك فارق بين الوحي لآدم والوحي للأنبياء من بعده . ومثال ذلك نوح ، فنوح طرأ على أمته وكانت أمته موجودة ثم جاء هو إلى هذه الأمة مبشرا ونذيرا . أما آدم عليه السّلام فقد طرأت عليه أمته ؛ لذلك لم يرسله اللّه بمعجزة ، فهو أب للجميع . والأبناء يقلدون الآباء ، بل حتى أبناء الملاحدة يقلدون آباءهم . وقد أوحى اللّه لآدم وقال له : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وإرسال الهدى لآدم هو مجىء الوحي إليه . ولماذا جاء نوح في هذه الآية أولا ؟ لأن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسّلام قد